الشيخ محمد رشيد رضا
248
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بالصدقة عن الوالدين في الصحيحين والسنن وبالصيام والحج المنذورين منهما أو المفروضين من حديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما وفيهما من حديث عائشة أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « من مات وعليه صيام فليصم عنه وليه » وقد شبه صلّى اللّه عليه وسلّم الصيام والحج الواجبين بقضاء دين العباد عنهما وأن دين اللّه أحق بأن يقضى . وقد روي هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما بألفاظ مختلفة في السائل فقيل رجل وقيل امرأة من جهينة وهو الصحيح وفي المسؤول عنه فقيل أب وقيل أخت وقيل أم وهو الصحيح ، وفي المسؤول فيه هل هو الصيام أو الحج ولا تنافي بينهما لجواز الجمع بينهما وتدل عليه رواية لمسلم ، وذكر الراوي وهو ابن عباس لكل منهما في وقت لاقتضاء المقام لذلك ولهذا الخلاف قال بعض العلماء ان الحديث مضطرب لا يحتج به ، ولكن حديث عائشة لا اضطراب فيه ، وقد اختلفوا في الولي فيه فقيل كل يب وقيل الوارث وقيل العصبة ، والراجح المختار انه الولد لينطبق على الآيات والأحاديث الأخرى . ومن أصولهم ان العبادات البدنية لا تصح النيابة فيها في الحياة ولا بعد الممات . ومذهب أشهر أئمة الفقه انه لا يصام عن الميت مطلقا ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي والامام زيد بن علي والهادوية والقاسم من العترة وحصر احمد وآخرون الجواز بالنذر عملا بحديث ابن عباس ويلزمه ان يكون من يصوم عن الميت ولده لان الرواية وردت بذلك وما روي في بعض طرقها من ذكر الأخت غلط ظاهر لمخالفته للطريق الصحيح وللآيات والأحاديث وحديث ابن عباس الموقوف أو فتواه التي رواها النسائي بسند صحيح « لا يصل أحد عن أحد ولا يصم أحد عن أحد » ومثله عن عائشة وقد جعل الحنفية فتوى ابن عباس مانعة من العمل بحديثه على مذهبهم في ذلك وهو أن العالم الصحابي لا يخالف روايته الا إذا كان لديه ما يمنع العمل بها ككونها منسوخة ، ومذهب غيرهم من أهل الأصول والحديث ان الحجة برواية الصحابي لا برأيه فإنه قد يترك العمل بالرواية سهوا أو نسيانا أو تأولا على أنه غير معصوم من تركه عمدا . وعندنا انه لا تعارض بين قولي ابن عباس وعائشة وروايتهما لان قولهما أو فتواهما بأن لا يصلي ولا يصوم أحد عن أحد هو أصل الشريعة العام في جميع الناس إلا ما استثنى بالنص من صيام الولد أو حجه أو صدقته عن والديه ولا سيما إذا كان ذلك حقا ثابتا بأصل الشرع أو بنذر أو إرادة وصية كما كانت الحال في وقائع فتوى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأولئك الأولاد . فلا محل إذا لتخريج